العيني
152
عمدة القاري
فأمر العبد بما لا سبيل له إليه غير جائز . أجيب : بأنه بمعنى الدعاء أي : بوأه الله كما ذكرنا . ومنها ما قيل : ذلك عام في كل كذب أم خاص ؟ أجيب بأنه اختلف فيه ، فقيل : معناه الخصوص أي : الكذب في الدين كما ينسب إليه تحريم حلال أو تحليل حرام ، وقيل : كان ذلك في رجل بعينه كذب على الرسول صلى الله عليه وسلم وادعى عند قوم أنه بعثه إليهم ليحكم فيهم ، واحتجاج الزبير ، رضي الله عنه ، ينفي التخصيص ، فهو عام في كل كذب ديني ودنيوي . ومنها ما قيل : من قصد الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن في الواقع كذب هل يأثم ؟ أجيب : بأنه يأثم ، لكن لا بسبب الكذب بل بسبب قصد الكذب ، لأن قصد المعصية معصية إذا تجاوز عن درجة الوسوسة ، فلا يدخل تحت الحديث . ومنها ما قيل : لم توقف الزبير ، رضي الله تعالى عنه ، في الرواية والإكثار منها ؟ أجيب : لأجل خوف الغلط والنسيان ، والغالط والناسي ، وإن كان لا إثم عليه ، فقد ينسب إلى التفريط لتساهله أو نحوه وقد يتعلق بالناسي حكم الأحكام الشرعية : كغرامات المتلفات ، وانتفاض الطهارات . قلت : وأما من أكثر منهم فمحمول على أنهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبت ، أو طالت أعمارهم فاحتيج إلى ما عندهم ، فسئلوا ، فلم يمكنهم الكتمان ، رضي الله تعالى عنهم . ومنها ما قيل : إن قوله ( من كذب علي ) هل يتناول غير العامد أو المراد منه العامد ؟ أجيب : بأنه أعم من العامد وغيره ، ولم يقع فيه العمد في رواية البخاري وفي طريق ابن ماجة : ( من كذب علي متعمدا ) ، وكذا وقع للإسماعيلي من طريق غندر عن شعبة نحو رواية البخاري والاختلاف فيه على شعبة ، وقد أخرجه الدارمي من طريق أخرى عن عبد الله بن الزبير بلفظ : ( من حدث عني كذبا ) ، ولم يذكر العمد ، فدل ذلك أن المراد منه العموم وقال بعض الحفاظ : المحفوظ في حديث الزبير حذف لفظة : متعمدا ، ولذلك جاء في بعض طرقه فقال : ما لي لا أراك تحدث وقد حدث فلان وفلان وابن مسعود ؟ فقال : والله يا بني ما فارقته منذ أسلمت ، ولكن سمعته يقول : ( من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار ) ، والله ما قال متعمدا وأنتم تقولون . متعمدا . قال أبو الحسن القابسي : لم يذكر في حديث علي والزبير : متعمدا ، فمن أجل ذلك هاب بعض من سمع الحديث أن يحدث الناس بما سمع . فإن قلت : إذا كان عاما ينبغي أن يدخل فيه الناسي أيضا . قلت : الحديث بعمومه يتناول العامد والساهي والناسي في إطلاق اسم الكذب عليهم ، غير أن الإجماع انعقد على أن الناسي لا إثم عليه ، والله أعلم . 108 حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ قال : حدّثنا عَبْدُ الوَارث عَنْ عَبْدِ العَزِيز قالَ ، أنَسٌ : إنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أنْ أُحَدِّثَكُمْ حَديثا كَثِيرا ، أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : ( مَنْ تَعَمَّدَ عَليَّ كَذِبا فلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) . هذا هو الحديث الثالث مما فيه المطابقة للترجمة . بيان رجاله : وهم أربعة : الأول : أبو معمر ، بفتح الميمين : عبد الله بن عمرو المشهور : بالمقعد ، المنقري البصري ، وقد تقدم . الثاني : عبد الوارث بن سعيد التميمي البصري ، وقد تقدم . الثالث : عبد العزيز بن صهيب الأعمى البصري ، وقد مر . الرابع : أنس بن مالك ، رضي الله عنه . بيان لطائف إسناده : منها : أن فيه التحديث والعنعنة . ومنها : أن رواته كلهم بصريون . ومنها : أنه من الرباعيات . بيان من أخرجه غيره : أخرجه مسلم عن زهير عن أبي علية عن عبد العزيز به . وأخرجه النسائي في العلم أيضا عن عمران بن موسى عن عبد العزيز عنه به . وقول الحميدي صاحب ( الجمع بين الصحيحين ) : إن حديث أنس هذا مما انفرد به مسلم غير صواب . بيان الإعراب والمعاني : قوله : ( إنه ) أي : الشان . قوله : ( ليمنعني ) في محل الرفع على أنه خبر : إن واللام ، فيه للتأكيد . قوله : ( أن أحدثكم ) كلمة : أن ، بفتح الهمزة مع التخفيف ، وهي مع معمولها في محل النصب على أنها مفعول أو لقوله : ليمنعني لأن : منع ، يتعدى إلى مفعولين ، و : أن مصدرية تقديره ليمنعني تحديثكم . وقوله : ( أن النبي ) صلى الله عليه وسلم أنَّ ، هذه المشددة مع اسمها وخبرها في محل الرفع على أنها فاعل : ليمنعني . قوله : ( حديثا ) نصب على أنه مفعول مطلق ، والمراد به جنس الحديث ، ولهذا جاز وقوع الكثير صفة له ، لا حديث واحد ، وإلاَّ يلزم اجتماع الوحدة والكثرة فيه . قوله : ( من تعمد . . . ) الخ ، مقول القول . قوله : ( كذبا ) عام في جميع أنواع الكذب ، لأن النكرة في سياق الشرط كالنكرة في سياق النفي في إفادة العموم . فإن قلت : ما المراد